مع خطى السفير.. إلى الكوفة

بواسطة عدد القراءات : 12481
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

 

 


     تجهز المبعوث بما يناسب قطع المسافة بين مكة المكرمة والكوفة، وانتهى من توديع الامام السبط وأبناء عمومته وإخوته وعائلته وصحبته المؤمنين.. وأنطلق بمعية نماذج من أجلاء المجاهدين الكوفيين اتباع آل محمد (صلى الله عليه وآله) سبق لهم أن مثلوا بين يدي الامام برسائل من خاصة الشيعة وعامة مسلمي الكوفة وهم : المجاهد قيس بن مسهر الصيداوي، والمجاهد عمارة بن عبد الله السلولي، والمجاهد عبد الرحمن بن عبد الله الارحبي.

كان وقت الانطلاق من مكة هو ليلة النصف من شهر رمضان المبارك سنة 59 للهجرة (مستخفياً ليلاً، لئلا يراه احد من بني امية) فنزل في المدينة حيث دخل رفاقه الثلاثة المرقد النبوي الشريف.. يقول الخوارزمي: ((فلما دخل (مسلم) المدينة، بدأ بمسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فصلى ركعتين ثم خرج في جوف الليل وودع أهل بيته)) المقيمين بالمدينة وواصل مع صحبهِ سيرهم الحثيث نحو هدفهم المنشود وهم خارجون من المدينة المنورة.

ونحن هنا نضطر أن نتوقف قليلاً قبل أن نتابع رحلة فرسان الرسالة لننظر فيما روي عن اللذين قيل أن مسلماً أستأجرهما من المدينة ليدلاه على الطريق، فضلَّا الطريق وماتا عطشاً، فتشاءم مسلم كما زعموا وسنقدم رأينا وردودنا على هذهِ الرواية.

رواية الدليلن: تفيد الرواية أن المبعوث قام بأستئجار دليلين من المدينة.. الدليلان انحرفا عن الجادة (ذات ليلة، فأصبحا وقد تاها وأشتد عليهما العطش والحر، فأنقطعا فلم يستطيعا المشي. فقالا لمسلم وقد اتضحت لهما سنن الطريق: عليك بهذا السمت فالزمه لعلك تنجو، فتركهما مسلم ومضى على ذلك السمت، ولم يلبث الدليلان أن ماتا عطشاً).

توحي كلمة ( ذات ليلة) الى انهما ضلا الطريق بفعل ظلام الليل، فيما قيل ـ في رواية ـ أنهما تعمدا تنكب الطريق (خوفاً من الطلب) أي خشية مطاردة المبعوث من قبل اعدائه، وهنا لابد أن نذكر بأنهما ـ أن وجدا ـ فهما لا يعلمان بطبيعة المهمة ولا ينبغي أن يعلما.

ترتب على هلاك الدليلن أثر قضى بتوقف المسير ـ حسب مضمون الرواية ـ ونحن نضيف هنا ما أملاه الراوي من أن مسلماً كتب للأمام بأنه (تطيَّر). وهذا نص رسالة مسلم: أما بعد: فأِني اقبلت من المدينة، معي دليلان يدلاني، فجارا عن الطريق وضلا، واشتد علينا العطش، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى أنتهينا الى الماء، فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيرت من وجهي هذا، فإِن رأيت أعفيتني منه، وبعثت غيري، والسلام)) أرسلها بيد المجاهد قيس بن مسهر الصيداوي ـ كما قيل ـ وأجابة الامام برسالة حملها نفس الرسول، تقول: (أما بعد: فقد خشيت الا يكون حملك على الكتاب إلي في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك له، والسلام عليك). فقال مسلم لمن قرأ الكتاب: ( هذا ما لست اتخوفه على نفسي)         ـ وسنقف على هذه العبارة لاحقاً ـ لنستطرد تسجيل بقية الرواية القاضية بأنه (اقبل كما هو حتى مر بماء لطيء فنزل بهم، ثم ارتحل منه، فاِذا رجلٌ يرمي الصيد، فنظر أليه قد رمى ظبياً حين اشرف له فصرعه، فقال مسلم: يقتل عدونا أن شاء الله).

أن رفضنا للرواية ليس بسبب ورود مفردة (التطيُّر) أو مفردة (الجبن) في تضاعيف الرواية، وانما لأسباب متعددة أخرى، فالتطير ليس من المفاهيم المتبناة لدى اهل البيت النبوي، حتى يليق أن ينسب لأحد علمائهم وأبرز فقهائهم وأشهر شجعانهم ألذي يواجه الخوف ويصارع الموت غير هياب.. أما كلمة الجبن فبتقدير أن بعض المواقف لاتمنع استعمالها أدبياً، فقد روي عدم وجودها أصلاً، إذ كتب الامام الى مسلم (مامنا من يتطير) وروي أنه كتب: (أما بعد: فقد خشيت أن يكون حملك على هذا غيرما تذكر، فامض لوجهك الذي وجهتك له والسلام) أننا نجد جملة نقاط تستدعي الاهتمام، وتساعد على التقليل من شأن الرواية وتفنيدها.

 

الرد على كل الرواية:

* ان الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي سرح المجاهدين الثلاثة مع مسلم، فلم يغفل أمر الطريق في مهمة كهذهِ، فمرافقو مسلم ليسوا من المكيين أو الحجازيين، بل من الكوفيين اللذين لايخفى عليهم الطريق الى مكة والعودة منها، فيمكنهم أداء دور الدليل سيما وهم حريصون على الكتمان كما وصى الامام.

* بحكم مهنة الدليل في الطريق الطويل، يفترض بكل دليل توفير كافة مسلتزمات السفر البعيد فضلاً عن قابلية الصبر المكتسبة من ممارسته وبيئته الحاره كمناعة لمقاومة الصعاب وضد الظمأ، وإذا ضلاّ الطريق ليلاً ـ كما في الاخبار الطوال ـ فهل عجزا عن تحمل العطش الى نهار اليوم التالي؟!

* ثم ما مدى العلاقة العضوية والرابطة المادية بين الدليلن، بحيث لعبت تلك العلاقة دوراً مدهشاً للغاية! إذ ضلا معاً! وبلغ الظمأ بهما الى درجة الموت حقاً! وفعلا ماتا معاً! في وقت واحد ومكان واحد سوية ماهذه الآصرة بينهما وهذا الإتفاق على الموعد (الحزين)؟!.

* لماذا أستأجرهما من المدينة وليس من مكة؟ ثم لِمَ لمْ يهدد الظمأ أحد الاربعة ـ مسلم ورفاقه الثلاثة ـ وقد عانوا نفس المعاناة، وتاهو بنفس الطريق تحت نفس الاجواء الحارة، وهل من المعقول والمقبول أن لديهم ماءً يبخلون بهِ على أحد الدليلين..؟!.

* ما هذهِ القابلية العاليه لدى الدليلين، فبالرغم من أنهما أشرفا على الممات لم يهملا تقديم الخدمات، إذ أشارا لمسلم الى سمت الطريق وسننه؟ فهل لمن يعاني سكرات الموت أن يعي ما حواليه؟ وهل لمن يُحتضر أن ينتبه وينبِّه غيره لطريق الحياة؟ أي مقدرة هذهِ أم أي جفاء من قبل الاربعة الذين لم يحركوا ساكناً بشأن أنقاذهما أو أحدهما مثلاً؟

* وثمة ردود بصدد الرسالتين : كيف ذهب المراسل ـ قيس الصيداوي حامل الرسالتين ـ الى مكة و عاد منها؟ وكيف اطمأن الطرفان على قطع الطريق الذي راح ضحية الغفلة فيه خبراء المواصلات ومحترفو سلوك طريق السفر ؟

* طالما ان الامام الحسين (عليه السلام) لم يرفق الدليلين معهم، ولم يعلم بهما ضمن الرحلة، فما دواعي إخطاره عما حدث؟ سيما أن استمرار السفرة لم يكن مشروطاً بسلامة أحد مرافقيها أو أدلائها.

* إن لهجة صاحب الطلب (مسلم) في رسالته، توحي الى إرادة العودة وقوة رغبة الرجوع لديه، متمنياً إعفاءه او استبداله بغيره، وصاحب هذهِ الرغبة ـ حسب ايحاء الرسالة ـ ينبغي ان يرجع بنفسه عائداً الى مكة ـ لطرح الموضوع ـ وهو ما يناسب الموقف.

* ((هذا ما لست اتخوفه على نفسي)) هكذا عقب مسلم بن عقيل على رسالة الامام الجوابية ـ وفق ماروي ـ فمِمّ كان خوفه مسبقاً، وما الداعي اليه ؟ فإذا استحصل على الطمأنينة من الحسين في صوابية توجهه فإِن الامام بنفسه ـ وليس غيره ـ الذي وجهه ابتداء، حتى يتعين التماس رأية ثانية.. إن تعقيب مسلم ـ المنسوب له ـ يبدو غامضاً أيضاً، سيما إنه يتوقف للاستفسار بل ينتظر استدعاءه لقبول الاستعفاء!.

* كيف واصلو المضي قدماً، وأنى لهم معرفة ما تبقى من مسافة الطريق، وهي اطول مما قطعوه من المدينة الى حيث وقعت ((الواقعة)).. أليس من المناسب أن يطلبوا دليلاً جديداً؟ او ان الامام نفسه يبادر بإرفاق دليل محترف، أو مجاهد خبير بالطرقات ضماناً لإتمام الوصول بسلام؟ وهو ما لم يحدث، واذا كانت الكفاية بالرفاق , الفرسان الثلاثة، فقد نوهنا في النقطة الاولى عن اهمية حضورهم معه منذ البدء.

* بالنسبة لمكان وقوع الحادث، مضيق (الخبت) يفترض أن يكون موقعه بين المدينة والكوفة، بينما ينص (الحموي) على أن (الخبت سهل في الحرة)، ( وهو علمٌ لصحراء بين مكة والمدينة).

* بالنسبة للزمن الذي تستغرقه هذه الرحلة ـ كمدة طبيعية ـ عشرون يوماً فقط، فيفترض ـ عند التسليم بتلك الرواية ـ أن تتجاوز الرحلة المدة الطبيعية، الى أطول بإضافة فترة ضلال الطريق والمراسلة والإنتظار.. لكن الروايات التاريخية أكدت أن الرحلة قطعت المسافة بنفس المدة الطبيعية المتفق عليها، هذا يعني أنه لم يحدث أي تعويق يوجب التأخر خلال الطريق.

* إستهدفت الرواية تصوير المبعوث كرجل متشائم يتطير، وهو ما يتنافى مع المفاهيم الراسخة لدى أهل بيت الرسالة، وتوجيهات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين الناهية عن الطيرة وضرورة وعي مفهوم القضاء، فضلاُ عن اجتناب رهط الرسول (صلى الله عليه وآله) للطيرة في حياتهم تأكيداً لطابع الثبات والقوة والاتزان في الشخصية المحمدية المدركة لمعاني القضاء والقدر.

* إستهدفت الايحاء بأن تحرك المبعوث مسلم كان خاضعاً لهواجس نفسية مزيجة من الخوف والتردد والاقدام، فتارة يتشاءم واخرى يتفاءل.. وهو إذ يتشاءم لعله مصيب في حسهِ فيعجز عن الرجوع بفعل الاوامر , وهو إذ يتفاءل بقتل عدوه ـ حينما رأى قتل رجل ظبياً ـ فيظهر أنه مخطئ في حسه ـ طبق فهم العامة لهذا التفاؤل ـ فلم يقتل مسلم عدوه وإنما عدوه قتله.. وهكذا نلمس حالة من التصرف بالمفاهيم السائدة الحساسة، بحبك حكاية تصب ضمن فلسفة مرتبكة تثير في اذهان المسلمين الريبة والتردد والارتباك وتقدح الشك وتلغي اليقين لإضاعة التكليف. سيما التكليف الاصيل من مصدره النقي، وذلك المصدر المعصوم  . لقد كانت هذه العصبة العقائدية المحمدية على يقين من أمرها موفورة التفاؤل والايمان، لتمسكها الشديد بناصية التكليف دون اكتراث للقتل والموت في سبيل الله والمبدأ والامة، ومسلم بن عقيل كان من أمر تكليفه الحسيني في أعلى درجات اليقين، ليس قلقاً في قناعته، قوياً في تقدمه لأنه من قومٍ عقائديين جاءوا لمجد الوجود، احدهم اذا عاش أو قتل كان هو الظافر والمنتصر.

وبعد: فمن المؤسف أن يتداول هذهِ الرواية أكثر الكتاب والخطباء بلا تأمل لفساد معطياتها، فيوحوا للناس ولذوي الاذهان الطرية من الشبان والفتية، أن من التشاؤم ما قد يقع وأن من التفاؤل ما قد يُخطئ إيحاءً من هذه الرواية ـ عن وعي أو بدون وعي ـ فيتوهم الناس أن المبعوث مسلم سار بهدي هذا الفهم.. إننا نعتبر هذهِ الرواية من (نتاج) شيوخ الكذب، ومن (ثمرات) أئمة التدليس، علماً أنها من مدونات العصور السياسية الحافلة بالتزوير والتشويه والتلفيق.

 

تطلعات الكوفة :

 

 يواصل البطل الطالبي ورفاقه الفرسان الثلاثة، مسيرهم باتجاه الشمال نحو الكوفة.. يواصلون المضي وهم يمتطون صهوات جيادهم يحثون خطى السعي الى الاقليم الذي بقي يترقب ما ستسفر عنه رسائلهم فالجماهير ظلت تتطلع بشوق الى المنقذ الكبير سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، لقد طال انتظار المظلومين المسحوقين، فما يمنع أبن الرسول من إجابتهم؟! وهم الذين أظهروا رفضاً شديداً للواقع.. إنهم يترقبون مجيء الحسين القائد بنفسه وهو أمل ملك عليهم قلوبهم، فلمَ لا يجيبهم الامام السبط الأبيّ وهو رائد الرفض الأبديّ لنظام الحكم الأموي؟!.. وفيما هم يتطلعون، إذا بخبر الاجابة الحسينية يملأ مسامعهم، ويهشون الى الشوارع وهم يهرعون لاستقبال (وافد آل محمد) المبعوث الشخصي لمُجَسّد مبادئ الرفض الحدّ.

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

المزيد من مقالات