صيحات الولاء من مسجد الكوفة

بواسطة عدد القراءات : 62283
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

تخرج علينا بين الحين والآخر صيحاتٌ تُظهِر الإخلاص والولاء والوفاء لأهل البيت (عليهم السلام) إلاّ إنها تستبطن العداء للمشاعر الدينية, المصاحبة لقتل واغتيال الأئمة (عليهم السلام) والمتمثلة بالحزن والبكاء بحجج واهية, هذه الصيحات تخرج بين فترة وأخرى لكي يختبروا ردود الفعل في الوسط الشيعي حول أهم شعيرة دينية وهي إقامة مجالس العزاء على تضحيات أهل البيت (عليهم السلام).

هذه  الصيحات والمواقف المتأصلة تنبع من المحتوى الفكري والثقافي الذي يكشف عن الدوافع الحقيقية الكامنة التي يتبناها أصحاب هذه المبادئ والقيم والأفكار المنحرفة، وهناك شبهة بخصوص الشعائر الحسينية بشكل عام علقت بذهن البعض ممن كان يرى إن شعائر الحزن والبكاء على ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من ظلم وحيف, لم يعد يتلاءم مع متطلبات العصر الحديث, ولا بد من الانتقال إلى ما يناسب التطورات الجديدة، إضافة إلى أن المجتمع بكافة شرائحه يدين بالولاء لآل البيت (عليهم السلام) خاصة إذا علمنا أن هؤلاء هم أنصار الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) في المستقبل.

هذه الشبهة بحاجة إلى توضيح , لأن هذه الشبهة انطلت على الكثير ممن يدعون التطور والتمدن والتحرر من قيود الماضي و مآسيه, إن مشكلة المسلمين اليوم هي في جوهرها مشكلة حضارية بامتياز ولا يستطيع المسلمون حل مشاكلهم ما لم يتعمقوا في فهم العوامل والأسباب التي تبني حضارتهم أو تهدمها .

فالمسلمون اليوم لا يعرفون حقيقة مرضهم, ولا أسباب تخلفهم ولا مصدر آلامهم ولم يحاولوا أن يتعرفوا على ذلك بل ذهبوا إلى مستشفيات ومصحات الحضارة الغربية ليعالجوا آلامهم وجراحاتهم .

وهناك من يتوهم إنه قد حصل على الشفاء من هذه المصحات وجاء ليطلق صيحاته وانتقاداته حول هذه القضية أو تلك, وما الشعائر الدينية إلا واحدة من الأمور التي ركز عليها هؤلاء المتخرجون من المصحات الفكرية للحضارة الغربية .

نحن نقول لهم إن حالهم حال الطبيب الجاهل الذي لم يستطع أن يشخص المرض لدى مريضه الذي يتألم و يعاني فيصف له دواءً يعالج أعراض المرض لأنه يجهل حقيقة المرض .

ولكي  تتضح الصورة أكثر لا بد من الاطلاع على دورة الحضارة الإسلامية ومراحلها لنكون على بينة من أمرنا وديننا وشعائرنا و تصمت وتخرس هذه الصيحات التي حذَّرَنا منها القران الكريم وشخَّصهم بأنهم هم العدو و نعتهم بالخُشُب المسندة .

إن كل الحضارات التي سادت وبادت كانت تمر بمرحلتين حضاريتين :

أولا : مرحلة الروح و هي مرحلة التألق و السيادة و الصعود و في هذه المرحلة يعطي الإنسان أكثر مما يأخذ، ففي مرحلة الروح وثب المسلمون على مسرح الأحداث وأخذوا يرفدون مجتمعهم بالمبادئ والقيم الإنسانية والأخلاقية والفكرية.

ومن الجدير بالذكر إن هذه الوثبة لم تكن من صنع زعماء قريش و نخبهم بل كانت من أناس مستهم شرارة الروح بشريعة الإسلام و منهج محمد (صلى الله عليه و آله)، هؤلاء من صنعوا المجد لنا وهم يمدوننا بالقوة والعزيمة ونستلهم منهم الشجاعة والتضحية والصبر والوفاء (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، هؤلاء هم عبيد الله والدِين مستقرٌ في قاع قلوبهم وكلما ابتلاهم الله ازدادوا إيماناً وثباتا، وهم من يبكون ويهتفون ويحيون الشعائر الدينية, وهؤلاء يبكون على ما آلت إليه هذه التضحيات من آثار وتداعيات لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا .

ولأنهم يعلمون السر الخفي لحقيقة أهل البيت (عليهم السلام) ومكانتهم, يتجمعون من كل بقاع العالم في الأماكن المقدسة ومن مكان الحدث وزمانه يبعثون رسالة إلى العالم مفادها إن جرائم كبرى حدثت قبل قرون عديدة اغتيل فيها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) .

هؤلاء من تجذر الإيمان في قلوبهم فآثروا البقاء في مرحلة الروح دون الإنتقال إلى مرحلة الغرائز التي تسودها مظاهر المصالح والمنافع وإشباع الغرائز وحب الذات والتسلط والأنانية.

ثانياً : مرحلة الغرائز وهي مرحلة السقوط والتلاشي والانحدار وفي هذه المرحلة يأخذ الإنسان أكثر مما يعطي, فبعد أن وهنت مرحلة الروح في الحضارة الإسلامية انتقل الكثير من مرحلة الروح إلى مرحلة الغريزة وهي مرحلة أفول الحضارة والانحطاط والخلود إلى الأرض شيئاً فشيئاً .

فكل شخص يريد أن يصل إلى الحقيقة لا بد له من البحث داخل ذاته ويسأل نفسه عن مصدر أفكاره ومن أي المشارب يرتوي فأصحاب الروح يشربون من نبع صافية وعين لا تنضب من منهل النبوة وأصحاب الغرائز يشربون من ماء كدرة تسوقهم غرائزهم إلى إشباعها بأي ثمن كان, حتى لو كان الثمن هو مبادئهم وقيمهم و أخلاقهم.

هؤلاء تشعر من كلامهم بأنهم حريصون على الدين وهم لم يقدموا للدين أي شيء سوى هذه الصيحات المبحوحة التي لا تنطلي إلا على السذج من أنصاف المتعلمين والمثقفين, فالبكاء وإحياء الشعائر وتعظيمها وسيلة لإصلاح القلوب بقوله تعالى ( ذلك و من يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

ومن إرثنا التاريخي الذي نعتز به هو بكاء فاطمة الزهراء على أبيها طيلة فترة حياتها بعده, وإعلان المظلومية التي تعرض لها أمير المؤمنين (عليه السلام) أمام المسلمين.

 

أقول لمن استهوته الدنيا و غاص في ملذاتها عليه أن يعلم بأن لعبة الدنيا حالها حال أي لعبة رياضية فهي على شوطين أيضاً, شوطها الأول في هذه الدنيا وشوطها الثاني في الآخرة وعند نهاية الشوط الثاني يفوز الفائزون.

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

المزيد من مقالات