المختار الثقفي بين سلطتين سياسيتين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد القراءات : 4544
المختار الثقفي بين سلطتين سياسيتين

عاصر أبو إسحاق المختار ابن أبي عبيد الثقفي سلطتين سياسيتين متصارعتين في الحجاز والعراق وبعد معاناته السياسية مع السلطة الزبيرية من الحجاز ، والسلطة الأموية في العراق ، أصبح أمامه الاختيار السياسي الأخير هو تصفية الحساب السياسي مع السلطة الزبيرية في البصرة ، بعد تصفية الموقف السياسي مع الأمويين في الكوفة بقتله قتلة الإمام الحسين ، وهزيمة بعضهم إلى البصرة والالتحاق بواليها مصعب بن الزبير ، وكان لابد للمختار الثقفي من ملاحقة هؤلاء القتلة المجرمين ، وفق أهداف حركته السياسية والفكرية ، وآثارها العقائدية ، فيقول المؤرخ الطبري (المتوفى عام 310هـ) في احداث عام 66هـ : أن المختار الثقفي سيطر على ولاية الكوفة .

وانتزعها من السلطة الأموية الحاكمة فيها منذ عام 41هـ ، وعلى أثرها هرب بعض أشراف الكوفة الموالين للسلطة الأموية إلى مدينة البصرة ، والاحتماء بالوالي الزبيري مصعب بن الزبير .

وكان في الساحة السياسية هذا الظرف العصيب الذي شهده العراق ، ثلاث شخصيات سياسية متناحرة في أهدافها سياسيا ، ومتقاطعة فكريا ، وهم :

1-     عبد الملك بن مروان في الشام .

2-     عبد الله بن الزبير في الحجاز .

3-     المختار بن ابي عبي الثقفي في العراق .

وكان العراق تتقاسمه سلطتان هما : السلطة الأموية ، والسلطة الزبيرية ، وقد حاول المختار الثقفي إسقاطهما ، واقامة حكومة جديدة تلتقي مع فكر أهل البيت عليهم السلام ، وقد تمكن من السيطرة على  ولاية الكوفة عام 67هـ ، فما كان من الموالين للسلطة الأموية ، إلا الالتحاق بمصعب بن الزبير في البصرة ، مستنجدين به لابعاد المختار عن الكوفة ، والقضاء على حركته ، وقد اراد المختار استدراج هؤلاء بالطرق السلمية ، فأرسل في طلبهم جماعة من انصاره بقيادة ابي القلوص الشبامي ، وقد شعر مصعب بن الزبير بخطورة الموقف ، فاستعان بوالي فارس المهلب ابي صفرة ، ويقول ابن عبد ربه : لمال انتشر خبر المختار الثقفي ، كتب اهل الكوفة الى مصعب بن الزبير في البصرة ، فخرج لقتال المختار .

وجاء هذا الاجراء العسكري بعد سيطرة المختار على مدينة الكوفة ، وطرد الوالي الزبيري عبد الله بن مطيع منها ، وتوجه بعد ذلك لقتال مصعب بن الزبير ، فاعد جيشا بقيادة الأحمر بن شميط ، فالتقى بجيش مصعب بن الزبير في منطقة (المذار) ، وفيها انتصر الجيش الزبيري ، وقتل الأحمر بن شميط مع عدد من جيشه ، وهذا مما شجع مصعب بن الزبير من التقدم نحو مدينة الكوفة .

وكان لبعض أشراف الكوفة دور في اسناد الجيش الزبيري ، والحاق الهزيمة بالجيش المختاري ، ويقول المؤرخ الطبري : لقد جاء مصعب بن الزبير أشراف الناس من أهل الكوفة ، ودخلوا على مصعب وأخبروه بوثوب عبيدهم ومواليهم عليهم وسالوه النصرة لهم والمسير معهم الى المختار .

وكان في جيش المختار عدد كبير من الكوفيين الذين انضموا اليه بعد موقفه (بعين الوردة) عام 66هـ ، وقد كلف المختار المخربة بن مثنى العبدي باستدراج الكوفيين اليه ، وبخاصة من رجال مدينة (الرزق) ، وعند ذلك بدأ المختار بتهديد البصريين المعارضين لبيعته ، ولكن الأحداث كانت غير مواتية للمختار بعد هيمنة مصعب بن الزبير على ولاية البصرة مما ادى الى انصراف البصريين عن المختار ، وسيطر مصعب بن الزبير على قصر البصرة .

واشار الطبري الى هجوم رؤساء الاخماس في مدينة البصرة على الكوفة في اثناء الصراع بين مصعب بن الزبير والمختار الثقفي .

ومما يبدو من خلال النصوص التاريخية ان منطقتي الحجاز والبصرة كانتا على ولاء آل الزبير ، وقد أكد هذا الجانب الوالي الزبيري على مدينة الكوفة عبد الله بن مطيع في اثناء صراعه مع المختار الثقفي وقد اشار عليه شبث بن ربعي ان ياخذ من المختار امانا ، فرد عليه قائلا : (ما كنت لأفعل هذا وأمير المؤمنين مطاع بالحجاز والبصرة ، فقال له : فان رأيت أن تذهب بنفسك مختفيا حتى نلحق بصاحبك فتخبره بما كان من الأمر بما كان منا ينصره واقامة دولته ) .

واضاف المؤرخ ابن كثير الى ان عبد الله بن مطيع اخرج من الكوفة والتقى بابن الزبير ، وهو مغلوب على امره ، وعند ذلك استعد مصعب بن الزبير عام 67هـ لقتال المختار ، وقد تم ذلك في موقعه (حروراء) وقد كانت معركة عنيفة كما وصفها المؤرخ السمعودي بقوله : (حروب عظيمة وقتل ذريع، وفيها انهزم الجيش المختاري ويقول المؤرخ ابن سعد : ان عبيد الله بن الامام علي عليه السلام قد نزل عند خاله نعيم بن مسعود التميمي ، وكان هذا من انصار مصعب بن الزبير ، وقد احتل عبيد الله بن علي موقعا متقدما في البصرة ، وعند اخواله ، حتى انهم بايعوه بالخلافة وهو كاره لها ، وقد خاطب الناس بالقول : (يا قوم لا تعجلوا ولا تفعلوا هذا الأمر) .

واذا تأكد لدينا صحة هذا النص فانها توحي الى تمويه سياسي حتى يبعدوا الناس عن نصرة المختار الثقفي ، اذ ليس من المنطق ان يبايع ابن الامام علي بالخلافة ، ومصعب بن الزبير واليا لأخيه عبد الله في البصرة ، وان من الثابت ا ن ال الزبير ضمروا العداء لأمير المؤمنين عليه السلام ولأبنائه ، واذا اجبر عبيد الله بالخروج مع اخواله الموالين لآل الزبير في يوم (المذار) هو من باب التعزيز للجيش الزبيري من جانب ، واضعاف لمعنوية الجيش الزبيري من جانب آخر ، ويقول ابن قتيبة : لما قتل عبيد الله بن علي في يوم (المذار) ، لم يكن المختار يعرف انه معسكر مصعب بن الزبير .

ونستفيد من نصوصه حركة المختار الثقفي واحداث الكوفة والبصرة ان عبد الله بن الزبير اراد الاحتفاظ بولاية البصرة بعد سقوط الكوفة بيد المختار وقد فوض اخاه مصعبا باسترجاع الكوفة ويوحد العراق ليكون تحت سلطانه ومن ثم يتفرغ لقتال الأمويين ، في الوقت الذي أراد المختار ضم البصرة الى سلطانه ، ومن ثم يتوسع في مناطق المشرق الإسلامي ، في محاولة لاضعاف النفوذ الأموي ، وان انتصاره على الأمويين في موقعة (عين الوردة) شجعه على التوسع السياسي ، ولكن يبدو ان المختار اخفق في اجراءاته منذ اخفاق ممثله المثنى بن مخرمة العبدي في البصرة في الوقت الذي حقق فيه مصعب بن الزبير نجاحا في استدراج قبائل عبد القيس وتميم والأزد اليه ، وانضمام محمد بن الاشعث والمهلب بن ابي صفرة لمعسكره كما ورد في مقولة محمد بن الأشعث عند تقدمه لقتال المختار : (ايها الأمير ما يمنعك من المسير لمحاربة هذا الكذاب الذي قتل خيارنا ، وهدم ديارنا ، وفرق جماعتنا ، وحمل ابناء العجم على رقابنا ، واحاطهم اموالنا ، سر اليه فانا جميعا معك) وكان المقصود بالخطاب هو مصعب بن الزبير .

ونستفيد من هذا القول : ان المختار الثقفي قد تتبع قتلة الإمام الحسين عليه السلام في مدينة الكوفة ، مما أدى الى حقدهم عليه ، حتى الصقوا فيه صفات الكذب والتخريب وارتكاب المحارم وغيرها من الاكاذيب والاراجيف .

ولم يضع مصعب بن الزبير امامه قوة عبد الملك بن مروان في بلاد الشام وغيرها ، فكان قتاله للمختار فسح الطريق امام عبد الملك بن مروان للقضاء على خصمه اللدود عبد الله بن الزبير واخيه مصعب ، وقد اسفرت الاحداث الى مقتل خصوم عبد الملك وهم : عبد الله ومصعب والمختار ، واخمدت الحركة الزبيرية كما اخمدت الحركة المختارية ، وشهد قصر الامارة في الكوفة راس مصعب بن الزبير وهو آخر رأس للثوار على السلطة الأموية .

 

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص بسيط نص بسيط

المزيد من الأحداث والوقائع التاريخية